الإنتاجية والتربية والتعليم
صدر بمجلة المغرب الموحد (4:1 ص. 42-45)
تتولى العديد من المنظمات العالمية نشر قائمات تفاضلية لنسب الإنتاجية في العالم فتصنف هذه البلدان بحسب قدرتها على جذب رؤوس الأموال الأجنبية واستقطابها وبشتى الفرضيات عن أسباب تأخر هذه النسب في البلدان النامية وعن كيفية جسر الهوة التي تفصل بين نسب الإنتاجية في البلدان المتقدمة بما فيها الولايات المتحدة وبعض البلدان المصنعة وبين بقية البلدان الأخرى.
تستعمل الإنتاجية لقياس وتعددت الوسائل لقياس الإنتاجية خاصة في مجال الخدمات إذ يصعب مدى نجاعة وجدوى استغلال شركة ما أو قطاع ما أو مجتمع ما للمدخلات أو لعوامل الإنتاج (مثل القوى العاملة أو الطاقة أو رأس المال) لإنتاج البضائع أو الخدمات. وقد استنبطت طرق ووسائل عديدة لقياس ذلك فنجد مثلا أن نسبة إنتاجية مُنتج ما تقاس بقياس عدد ساعات عمله. قياس المخرجات في هذا القطاع قياسا دقيقا.
لقد أصبحت الإنتاجية تحتل مكانة جوهرية في خارطة الأعمال العالمية وتبين أنها ترتبط ارتباطا وثيقا بالعديد من العوامل منها التجديد التكنولوجي، والتجديد في إدارة الأعمال وقيادتها، وتوفر الاستثمار، ومدى توطين عقلية ريادة الأعمال (entrepreneurship) في مجتمع ما. لقد تفطن علماء الاقتصاد منذ فترة إلى أننا قد ننتج بكميات أقل وبدرجات جودة أقل إذا لم تتوفر كل العوامل والظروف والشروط الممكنة لا في بداية عملية الإنتاج فحسب بل و في كل مرحلة من مراحله. ومما لاحظه هؤلاء العلماء كذلك عند احتساب نسب الإنتاجية أن العنصر البشري هو من أهم العناصر التي تغير من نسب الإنتاجية في كل مراحل عملية الإنتاج من مدخلات (input) وعمليات (process) ومخرجات (output) . ومن ثمة أصبحت عملية احتساب نسبة إنتاجية بلد ما في ميدان ما تأخذ بعين الاعتبار العنصر البشري وتراهن عليه للرفع من هذه النسب ولو بصفة تدريجية. كما يعتبر علماء الاقتصاد أن نسب إنتاجية القوى العاملة من أهم مؤشرات صحة الاقتصاد وسلامته وقوته، وسلموا بأنه من الحتمي أن يتبع الارتفاع في نسب الإنتاجية ارتفاعٌ في الأجور وتحسن في مستوى المعيشة كما آمنوا أن استدامة النمو والرخاء الاقتصادي لا يمكن أن تكون إلا نتيجة للتحسن الفعلي والحقيقي للإنتاجية.
لعل الثورة الصناعية كانت الفترة التي استعمل فيها الإنسان مفهوم الإنتاجية للمرة الأولى إذ تمكن أصحاب المصانع آنذاك من احتساب نسبة ساعات العمل لصناعة منتوج واحد وأصبح من الممكن أن يقسم الإنتاج إلى مراحل وأن تستعمل الآلات لتسريع عملية الإنتاج والزيادة من الإنتاجية. وبذلك تنافست المعامل والشركات على الزيادة من نسب الإنتاجية فاستعملت الآلات للزيادة في الإنتاج ومنع الهدر واستغلت سواعد العمال وعقولهم فيما تعجز الآلة عن القيام به أو عن القيام به جيدا.
لا توجد معادلة سحرية واحدة للرفع من نسب الإنتاجية ولكن تشير جل الدراسات إلى أربعة عوامل أساسية لضمان نسب إنتاجية مرتفعة وهي القدرة على المنافسة أولا، والتجديد ثانيا، والمهارات ثالثا، والتمويل رابعا.
أما القدرة على المنافسة فقد لوحظ أن البلدان التي تتمتع بنسب إنتاجية عالية تمتلك أسواقا مفتوحة وقوية، تتنافس فيها كل القوى الاقتصادية بشدة فتنهار فيها الشركات غير المنتجة وتغلق أبوابها بينما تنتصب فيها الشركات المنتجة وتزدهر وبذلك تفرض قوى السوق على كل الشركات أن تحسن من أداءها ومن نسب الإنتاجية لديها. أما العنصر الثاني وهو التجديد فينبغي أن نقرنه بالبحث العلمي والتجديد التكنولوجي إذ تضمن البلدان المتقدمة استمرارية ارتفاع نسب الإنتاجية لديها بضمانها لسيل دائم من التجديد العلمي والتكنولوجي الذي يمكنها من احتلال المراتب الأولى ويجعل البلدان الأخرى تلهث ورائها لتحصيل المعرفة والتقنيات الجديدة. ولا يضمن التجديد العلمي تحسين الطرق التقليدية لتحويل المعرفة إلى ثروة فحسب بل يفتح كذلك أبوابا لاستنباط طرق جديدة لكسب الثروة. ولعل الاستثمار في مجال تكنولوجيا المعلومات أو النانو تكنولوجيا أكبر دليل على ذلك. لذلك أصبح احتساب نسب الإنتاجية مرتبطا باحتساب نسب الإنتاج المعرفي الذي عادة ما يرتبط بدوره بكمّ البحوث المنشورة في شتى مجالات المعرفة وبجودتها فضلا عن عدد براءات الاختراع وقيمتها. أما العنصر الثالث فيخصّ نوع المهارات التي تمتلكها كل شرائح القوى العاملة وجودتها سواء كانت مهارات وسطى أو مهارات متقدمة ونعني بها خاصة المهارات التي ينتظر من خريجي التعليم العالي امتلاكها. لقد أصبح من البيّن أن نسب الإنتاجية المرتفعة في بعض البلدان ترتبط ارتباطا قويا بكم المهارات التي تكتسبها القوى العاملة ونوعها، لذلك قامت التصنيفات الإقليمية والعالمية على ترتيب البلدان بحسب إتقان القوى العاملة للمهارات. كما تشير العديد من الدراسات إلى أهمية اكتساب مهارات ريادة الأعمال التي تساهم بشكل كبير في الدفع بعجلة النماء الاقتصادي والاجتماعي إلى الأمام وخاصة في ضمان استدامته. أما العنصر الرابع والأخير فيتعلق بدور تمويل المشاريع في الدفع بعجلة تحويل المعرفة إلى ثروة وكثيرا ما تولي هذه الدراسات في هذا الشأن أهمية كبرى لنسب الادخار أو لقدرة الفرد الواحد على التمويل وتركز على استعداد صاحب المشروع أو مديره أو مموله للمخاطرة ولخوض التجربة.
فما علاقة الإنتاجية بالتربية والتعليم؟
لقد تبين من هذا العرض الموجز للعناصر الضرورية للرفع من إنتاجية بلد ما أن العنصر البشري من أهم العناصر التي يعول عليه أي بلد للرفع من نسب الإنتاجية. فالفرد هو الرائد الذي يفكر في مشروع وهو الذي يمتلك المهارات لتحويل الفكرة إلى حقيقة وهو الذي يجابه الصعوبات ويغلبها وهو الذي لا تثني عزيمته العراقيل وهو الذي يبتكر الطرق الجديدة للتجديد المعرفي وهو الذي يؤمن بدور المعرفة كمفتاح للثروة وهو الذي يمتلك المهارات الضرورية لأداء عمله من مستوى مسؤوليته في المؤسسة التي يعمل بها مهما كبرت هذه المسؤولية أو صغرت وهو الذي يحاول دائما التطوير في معارفه ومهاراته حتى يستطيع أن يؤدي عمله على أحسن وجه وهو الذي يفكر في مصلحة مؤسسته سواء كانت حكومية أو خاصة لأنه يدرك أن في استمراريتها ونجاحها خير له ولأسرته وللمجتمع ولا يعتبر ُمشغّله عدوه اللدود يحسب عليه أنفاسه ويضمر له الخسارة قبل الربح وهو كذلك الذي يفكر في مسؤوليته الاجتماعية نحو قريته وجهته ووطنه وعالمه فيحب لأخيه ما يحب لنفسه وهو الذي يبرّ ببذور الأرض وخيراتها حتى يضمن للأجيال القادمة أكبر قدر ممكن من الظروف الطبيعية للعيش المستساغ فلا يستنزف الموارد الطبيعية ولا يهدرها ولا يلوثها. هذا الفرد هو الذي سيعمل بكد واجتهاد ويبذل ما في وسعه للرفع من مستوى الإنتاجية وهو الذي سيدرأ مواطن النقص عند أدائه لعمله وهو الذي سيتفطن للهدر فيوقفه أو يساهم في إيقافه وهو الذي سيفكر في طرق أبسط وأسرع وأرخص وأنجع للإنتاج وهو الذي سيطرق باب رئيسه لا للمطالبة فقط بحقوقه أو أحيانا كثيرة بما لا حق له فيه لكن لاقتراح سبل للتطوير والتجديد والتقدم. قد تبدو صورة هذا العامل سواء كان عامل الساعد أو عامل المعرفة مستوردة من بلد من البلدان المتقدمة، وقد يستبعد الكثيرون وجوده في منطقتنا المغاربية إن لم نقل إمكانية وجوده فيها وإن لهم الحق في ذلك إذ تجيل بصرك في العديد من مؤسساتنا فلا تجد إلا عكس الصورة التي رسمتها في التو أو أقل منها بكثير وإن كان التعميم في هذا الشأن صعب بل مستحيل. من المؤكد أننا لو نريد أن نراهن على رفع مستوى الإنتاجية في منطقتنا فيجب علينا لا فقط الإيمان بأن مثال هذا العامل ممكن بل أيضا السعي إلى استنباط كل الطرق الكفيلة لإيجاده ولإيجاده بأعداد وفيرة. يجب أن نعمل سويا على تغيير عقلية العمل لدينا وخاصة على غرس ثقافة الاجتهاد والابتكار والعمل الجماعي والقيم الأخلاقية سواء كانت محلية أو كونية. ولا شك في أن تكوين هذا العامل الذي سيساهم في رفع الإنتاجية يبدأ في المدرسة ويصقل في مؤسسة من مؤسسات التعليم العالي. ومن دون أن نستعرض الدراسات التي تبين بكل وضوح دور التعليم في رفد النمو الاقتصادي والاجتماعي وخاصة دور التعليم العالي في تخريج عمال المعرفة القادرين على تحقيق الإضافة المرجوة، يجب ألا نسهو عن أن طالب اليوم، مواطن الغد، يحتاج لكل الرعاية الممكنة لا لاكتساب المعارف فحسب بل لاكتساب المهارات أيضا وللتشبع بالقيم التي تشجعه على البذل والعطاء والعمل الجاد قصد الوصول إلى نسب إنتاجية عالية. مما لا شك فيه أننا ونحن نراهن على الرأسمال المعرفي قيادات وشعوبا ونموّله حتى من قوتنا وجب علينا ألا نغفل عن المهارات والقيم وألا نمولّها سهوا (par défaut) إذ نتصور أنه لا بد وأن يحصلها الطلبة وكأني بالأغلبية تتوقع أن تحصيل المهارات والقيم أسهل من تحصيل المعارف. للعملية التعليمية أيضا نسب الإنتاجية الخاصة بها، ولها أيضا قوانين السوق المؤثرة فيها ولعل أول قانون من هذه القوانين ينصّ على أننا لا نستطيع توقع أي مخرج من مخرجات العملية التعليمية ما لم نقم بتوفير المدخلات والعمليات الضرورية لهذا المخرج أو ذاك. وبكل ببساطة، لا نستطيع أن نتوقع من شبابنا أن يمتلك المهارات والقيم الضرورية لكسب رهان الرفع من الإنتاجية ما لم نوفر الظروف والأطر والعوامل الأساسية لإعانة الطلبة على اكتساب هذه القيم والمهارات وتطويعها وتطويرها أيضا.
فما الذي يجب أن نفعله للتحسين من نسب الإنتاجية؟
وجب علينا الاهتمام بمسألة المهارات والقيم اهتماما خاصا نعتمد فيه لا على المقاربات الأجنبية والممارسات العالمية الناجحة فحسب بل أيضا نأخذ بعين الاعتبار ما يلاءم طبيعة شبابنا ويحفزه على بذل كل ما في وسعه للتقدم إلى الأمام سواء على مستوى الفرد أو المجموعة. إن اقتناع القوى العاملة بوجوب العمل سويا جنبا إلى جنب للتحسين من مستوى الفرد والمجوعة شرط أساسي لنجاح عملية التنمية لا يمكننا بحال التغاضي عنه أو التقليل من شأنه. كما وجب علينا الاهتمام بالمهارات لا فقط قبل التخرج بل كذلك بعده إذ يصعب على الفرد أن يتكهن بكل المهارات والمعارف التي يحتاجها في حياته المستقبلية فيتعلمها دفعة واحدة وبذلك يقفل باب “الدراسة” إلى الأبد. تتسم طبيعة العمل في مجتمع المعرفة واقتصاد المعرفة بالتغيير الدائم وعدم الاستقرار على حال حتى في المؤسسات التي عادة ما تتغير ببطء وبذلك تحتم على الفرد أن يكون على استعداد لتعلم أشياء جديدة في أي مرحلة من مراحل حياته وأن يتحكم في عملية التعلم هذه من دون المعادلة التقليدية للتعلم والمتكونة من درس ومدرس وقاعة درس. وهذا النوع الجديد من التعلم هو ما اصطلح على تسميته بالتعلم مدى الحياة.
كما وجب علينا تدريب أعداد وافرة من الطلبة والعاملين على مهارات المبادرة والريادة سواء كانت ريادة الأعمال أو الريادة الاجتماعية أو الثقافية أو الأكاديمية. وجب علينا أن نزيد من عدد الرياديين ونشجعهم حتى يبادروا بالتجديد والمغامرة فيؤثروا بذلك في حركة المال والأعمال والمشاريع الربحية وغير الربحية.
ولعل أول خطوة يجب أن نتعلمها ونعلمها لأولادنا ولطلبتنا ولشبابنا في أي شبر من مغربنا الموحد هو أن لا نحتسب نسبة رضاءنا عن العملية التعليمية بسؤالنا عما درسه الطالب ولكن بالسؤال عما تعلمه بصورة فعلية تعلما صحيحا لا ينساه بمجرد انتهاء الامتحانات تعلما يغير من نفس المتعلم ويحضره لأن يزيد من المعرفة لا أن يستهلكها فقط.
روضة بن عثمان