نشر بجريدة الشروق في 23 جوان 2010
كثر الحديث مؤخرا عن الحقيقة المؤلمة والمتمثلة في أنه لا توجد أية جامعة عربية في تصنيف شانغهاي لأحسن خمسمائة جامعة في العالم فتباكى البعض واشتكى، وأصدر البعض الآخر حكمه بمرض جامعاتنا، وأفتى شق ثالث بضرورة إقفالها وتوجيه الطلبة المتميزين إلى الجامعات الأجنبية على الأقل لنضمن جودة تكوينهم ولمنع هدر الموارد.
إذا ما أردنا أن نعرف الأسباب التي أدت إلى غيابنا عن الخمسمائة جامعة الأولى فيجب أولا أن نعي معاني الترتيب وآلياته وأبعاده. إن المعنى الأساسي لهذا الترتيب التفاضلي هو تقدير درجة جودة أداء الجامعات في كل أدوارها الثلاثة أي التعليمية والبحثية والخدميّة الاجتماعية وترتيبها بناءً على هذا الأداء. إن الترتيب لا يستند إلى علم قائم الذات بقدر ما يعتمد على الدقة والانضباط في قياس المؤشرات التي تكون قد حددت من قبل. ترى الجامعات في البلدان المتقدمة حريصة على أن تكون في المراتب الأولى، لأنها تتأكد حينئذٍ أن صيتها الجيد سيجلب لها الأعداد الوفيرة من الطلبة الجيدين وأصحاب الشركات الممولين للأبحاث والهبات ومنح البحث. وحتى إن كانت الجامعة لا تواجه أية صعوبات في استقطاب الطلبة الجيدين بالأعداد الكافية، فإن كل جامعة راغبة في قياس أدائها بالمقارنة مع الجامعات الأخرى، وهذا ما يسمى بالقياس المرجعي (Benchmarking) أي القياس الذي سيمكنها من الحفاظ على مميزاتها والعمل على درء أية نقائص قد تتبين إثر عملية القياس.
سألني أحد الأشخاص مؤخرا إن كان تصنيف شانغهاي تصنيفا “سياسيا” بمعنى أن البلدان الغنية تأخذ نصيب الأسد لها وللبلدان الموالية لها ولا تدع إلا الفتات للبلدان النامية. ولما سألته عن سبب سؤاله أجابني أنه لا يستطيع أن يتصور أن التعليم العالي في إسرائيل بالجودة التي تمكّن ستا من جامعاته من الحصول على ترتيب مشرّف. قد يبدو تأويله مقبولا لو كان الترتيب يشمل كل جامعات العالم من دون تمييز. لا تُقيّم إلا الجامعات التي تعلن عن رغبتها في أن تدخل الترتيب، وبطبيعة الحال عليها عندئذ أن تتحمل إمكانية ترتيبها في آخر القائمة إذا لم يكن مردودها بالجودة التي عليها بقية الجامعات المصنفة. إن الجامعات لا تصنف قطريا بل حسب المؤسسات أي جامعة جامعة، وهو ما جعل العديد من الجامعات في البلدان المتقدمة لم تدخل هذه التصنيفات. وإن تصنيف شانغهاي (وتصنيف التايمز) لا يرغم أية جامعة على الانضمام إلى عملية التصنيف. والآن، لماذا لم تدرج أية جامعة تونسية في الترتيب؟ لأنه وببساطة لا توجد جامعة واحدة عبرت عن رغبتها في أن تُصنّف. هل توجد شروط في إدراج مطلب التصنيف؟ نعم.
ولنتساءل: كم من جامعاتنا تحيّن صفحات الويب التابعة لها بالكم والكيف المطلوبين لتجعل أعمالها شفافة للمواطن التونسي ولأي زائر من أي بقعة من بقاع الأرض؟ !وإذا ما احتاج القارئ أن يرى بأم عينه مثالا لما أصف فإني أدعوه وبإلحاح أن يتصفح صفحات الويب التابعة للجامعات الإسرائيلية التي اتهمها صاحبنا هذا ب”التحايل” وأطمئنه إلى أنه سيجد نسخة بالإنقليزية محيّنة، ولن يجد صفحات مكتوبة بالعبرية فقط. أما حان الوقت لأن ننكب على مشاكلنا فنحاول حلها بكل ما أوتينا من قوة وصدق وننسى نظرية التآمر التي لازمتنا منذ عقود؟! من المؤكد أن هنالك عددا لا بأس به من المحللين الفطاحل الذين يستطيعون أن يبرهنوا، وبدون أي شك، عن نظرية تآمر إسرائيل لتصنف تصنيفا مشرّفا ولن أجادل هؤلاء لاعتقادي بأننا مادمنا لسنا قادرين على “التآمر” لنُصنّف ضمن الجامعات الخمسمائة الأولى، فلا حل لنا سوى العمل والعمل سويا بكدّ واجتهاد.
ينتقد بعض المطلعين على التصنيفات كلا التصنيفين (شانغهاي والتايمز) بأن المؤشرات التي يستعملانها تركز على كم ونوع النشر أكثر بكثير من جودة التعليم أو الخدمة الاجتماعية ويفسرون تهافت الناس على مؤشرات البحث بتأثير بريقه الذي لا يقاوم ولسهولة احتسابه عند التصنيف. فليس أكثر جذبا للطلبة من أن يكون الأستاذ الذي سيدرس أو سيؤطر صانع معرفة، كثير النشر، دائم الاكتشاف، يتصدر اسمه قائمات البحوث الأكثر رواجا في العالم. إن صناع المعرفة هم الذين تحاول كل الجامعات الجيدة استقطابهم بغض النظر عن اللون أو السن أو النوع، وتبذل لهم الغالي والنفيس ليحلوا بها ويحلو لهم المقام فيها.
ما هي حظوظنا في المنافسة في هذا المجال؟
يسند تصنيف شانغهاي 40 بالمائة من العدد التقييمي الجملي إلى البحوث، و40 بالمائة إلى أعضاء هيئة التدريس الذين تحصلوا على جوائز عالمية كجوائز نوبل أو مختلف الجوائز والميداليات. وبالرغم أن الأستاذ الحاصل على جائزة نوبل لا يعني بالضرورة أنه يقدم للطلبة المزيد من فرص التعلم، فإن بريق صيت الأستاذ المتحصل على جائزة نوبل لا يقاوم، وبالتالي تستقطب الجامعات الباحثين الذين يقدرون على الحصول على نتائج جيدة بسرعة ولا سيّما في العلوم الصحيحة والتطبيقية. ويختلف تصنيف التايمز عن تصنيف شانغهاي بإعطاء 20 بالمائة للبحث وأخرى مماثلة لجوائز نوبل و40 بالمائة لتقييم النظراء وهذا مفهوم مهم وغال على أنفس البريطانيين بالذات، وهم عنيدون في تطبيقه التطبيق الشامل والصارم في كل وجه من أوجه حياتهم الجامعية.
يبدو وكأنه كلما تحدثنا عن تقييم شانغهاي بالتفصيل تبين لنا أن إنتاج الأبحاث بالكم والكيف المطلوبين بعيد المنال حاليا، كما أن الحصول على جائزة نوبل يبدو مستبعدا أو على الأقل غير مضمون حاليا مما يجعل الحصول على مرتبة مقبولة أمراً صعبا. إن دخولنا لتصنيف شانغهاي قرار سياسي بحت، ولكنني أظن أن قرارنا بالدخول لمثل هذه التصنيفات من عدمه يجب ألا يعني أننا لا نواجه مسألة التقييم بكل جدية وصرامة وشفافية وبطريقة علمية. يجب أن نقيم مردود مؤسسات التعليم العالي من الداخل، وأن نقرر إذا ما كنا نحن، كل العاملين والمنتفعين، راضين عن أداء مؤسساتنا أم لا قبل أن نرى الرضا في أعين الآخرين.
لو نظرنا إلى الجامعات المتربعة على عرش الجامعات الجيدة في العالم لوجدناها جامعات عتيدة مثل كامبريدج، أكسفورد أو هارفارد وهي كلها جامعات تأسست منذ قرون، كما أن الفارق بينها وبين الكوكبة التي تليها في الترتيب شاسع حتى أن العديد من الجامعات لا تطمع في منافسة هذه الجامعات الأوائل ولا تحلم حتى في أن تنافسها. وتضمن هذه الأولوية لهذه الجامعات الحصول على أحسن الطلبة الموهوبين، ومن ثمة يسهل ضمان جودة الخريجين. ولا يتمثل رهان الجودة في الوصول بالطلبة الموهوبين إلى التخرج بتميز وإلى حصد الجوائز والميداليات والمنح والهبات. وإنما يتمثل التحدي الأصلي في الوصول بالطلبة غير المتميزين إلى درجات تعلم جيدة عند التخرج. وتتمثل جودة التعلم في نجاح الطلبة في بناء معارف في ميدان اختصاصهم، متينة البنية، عالية الجودة وكذلك في تمكنهم من تنمية مهارات مثل التفكير اللانمطي، والقدرة على إيجاد الحلول، والعمل ضمن مجموعات. ولو قارننا بين الإضافة التي تحققها الجامعات الجيدة مع الطلبة الموهوبين بتلك التي تحققها الجامعات الأقل جودة مع الطلبة الأقل موهبة لوجدنا أن هذه الأخيرة تحقق إضافة أكبر بالنظر إلى التحسين الحاصل في مستوى المكتسبات المعرفية للطلبة مقارنة بما كانوا عليه عند الالتحاق بهذه الجامعات. ولعمري هذه هي الإضافة التي نرجوها ونحتاج إليها لكسب جل الرهانات أكثر من تصنيفنا في أي من التصنيفات العالمية! !.
أمّا لو قررنا أن نحاول النجاح في تصنيف جامعاتنا ضمن تصنيف شانغهاي كدافع و وحافز لكل المنتفعين من القطاع لمزيد البذل والعطاء والرقي بجامعاتنا إلى مراتب مشرفة، فعندئذ ستكون المسألة مختلفة.