هل نحتاج إلى كلية تربية؟
نشر بجريدة الصباح بتاريخ 4 فيفري 2010
لا يسع المتفحص لخارطة التعليم العالي في تونس إلا أن يلاحظ أن عدد المؤسسات قد بلغ أضعاف ما كان عليه قبل عقد أو عقدين كما تعددت المسارات وتنوعت الاختصاصات وخاصة بعد اعتماد نظام “إمد” الذي ولّد من الاختصاصات التقليدية عددا كبيرا من الإجازات التطبيقية الجديدة. وبذلك جمع بين اختصاصات قديمة متجددة وأخرى جديدة مائة بالمائة فرضتها حاجة السوق إليها أو فرضها نسق تطور الاختصاص نفسه. وتجول ببصرك في قائمة مؤسسات التعليم العالي القديمة والحديثة والمستحدثة فتجد المؤسسات المختصة في المجال الطبي أو الهندسي أو التقني أو الاقتصادي أو في مجال العلوم الإنسانية أو الاجتماعية أو الدينية أو غيرها، ثم سرعان ما تتوقف عند غياب كلية تربية وإن وجدت مؤسسات مهن التربية التي يبدو أنها النسخة العصرية لمدارس ترشيح المعلمين التي كانت المزّود الأكبر لحاجيات البلاد من إطار التدريس في مستوى الابتدائي ومدارس المعلمين العليا التي كانت ولا تزال تعدّ نخبة أساتذة التعليم الثانوي.
عندما طُرح السؤال التالي على الرعيل الأول من أساتذة الجامعة التونسية: لماذا لا توجد لدينا كلية تربية؟ أجاب هؤلاء بأنهم اتبعوا النموذج الفرنسي في تكوين الأساتذة آنذاك فأنشئوا مدارس المعلمين العليا. وعند تذكيرهم بأن فرنسا قد تراجعت عن مدارس المعلمين العليا وأنشأت كليات تربية لكننا لم نفعل ما فعلت فرنسا، اكتفوا بالإشارة إلى أن القرار سياسي بحت وليس لهم فيه شأن.
لا يتسّع المجال في هذا المقال لسرد وتحليل كل الأسباب المؤدية إلى غياب كلية تربية عن ساحة التعليم العالي في تونس وللحديث خاصة عن ظروف تطور معهد علوم التربية وتغيير اسمه وصفته ومهامه. ونكتفي بطرح السؤال التالي: هل نحتاج إلى كلية تربية؟
تضطلع كليات التربية، إجمالا، بأربعة أدوار أساسية: يتمثل الدور الأول في تكوين إطار التدريس في مساراته الثلاثة الابتدائي والثانوي والعالي، ويتمثل الدور الثاني في القيام بالبحوث التربوية سواء تلك التي تؤدي إلى نيل شهادة علمية ما مثل الماجستير أو الدكتوراه أو الأخرى التي لا تؤدي بالضرورة إلى شهادة. ويتعلق الدور الثالث بتوفير التكوين أثناء الخدمة لكل المدرسين في المسارات الثلاثة وكلما دعت الحاجة إلى ذلك. أما الدور الرابع فيخص دراسات الخبرة التي تقدمها الكلية للجهات المانحة أو المسيرة سواء عند تقييم البرامج المعتمدة أو عند اقتراح الحلول للعديد من المشاكل، أو حتى عند القيام بالدراسات الاستشرافية.
من المؤكد أن مدارس المعلمين العليا تحاول القيام بدورها في تكوين أساتذة الثانوي وإن كانت المعضلة ولا تزال أن نسبة الأساتذة المتخرجين من مدارس المعلمين العليا أقل بكثير من نسب الأساتذة الذين تعينهم وزارة التربية والتكوين وتخضعهم لتكوين بيداغوجي أثناء الخدمة تحت إشراف مرشد ومتفقد للمادة. كما تواصل مدارس مهن التربية في نسختها الجديدة تكوين إطار التدريس والإدارة حسب حاجة التعليم الابتدائي. وبغض النظر عن النقائص الموجودة في كلا التكوينين فإنّه لا يسعنا إلا أن نلاحظ أنهما يسعيان إلى تحقيق الأهداف التي جعلا لها. تبدأ المعضلة الكبرى، في رأينا، عندما ننظر إلى الدور الثاني الذي تقوم به كليات التربية والمتعلق بالبحوث التربوية التي تنقص نقصا فادحا على الساحة الأكاديمية. فقليلة جدّا هي البحوث الأكاديمية في مجال علوم التربية، وقليلون جدّا هم المختصون في علوم التربية إلى درجة أنه لم يقع تعويض القلة القليلة من الأساتذة الذين كانوا يؤطرون بعض البحوث التربوية والذين غادروا الجامعة التونسية عند التقاعد. كما شهدت مصلحة معادلة الشهادات في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والتكنولوجيا العديد من الحالات لحاملي شهادات الدكتوراه أو الماجستير في علوم التربية من جامعات أجنبية والذين تُعادل شهاداتهم في مجال الاختصاص الأولي وليس في مجال علوم التربية. لماذا هذا التجاهل لعلوم التربية وللبحث التربوي؟
خلُصت دراسة كنت قد قمت بها منذ فترة حول تعريف أساتذتنا الجامعيين الكبار قدرا وسنا للتعليم الجيد إلى أن الأستاذ التونسي لا يشعر بالحاجة الأكيدة إلى التكوين التربوي لا قبل التعيين ولا خاصة بعده. وتبدو الفكرة السائدة أن الأستاذ الجامعي لا يحتاج إلى تكوين بيداغوجي يعينه على التدريس وهو الذي قد تحصل على دكتوراه في اختصاص ما. وبذلك تبدو علوم التربية وكأنها ثانوية وحتى غير ضرورية. كما يذهب إلى ظنّ الكثيرون أن الأستاذ المجتهد لا بدّ أن يستنبط طرقا عملية لإيصال المعلومة وخاصة إذا ما كان موهوبا، أما المدرس غير الموهوب فلا ينفع معه أي تكوين بيداغوجي لا قبل التعيين ولا بعده. هذا فيما يخص صورة التكوين البيداغوجي لدى أساتذة التعليم العالي، أما فيما يخص صورة التكوين البيداغوجي لدى مدرسي الثانوي أو الابتدائي فيُلاحظ أن المدرسين يعتبرون التكوين الأولى الذي يجبرون عليه عند انتدابهم وكأنه شر لا بد منه، وأما التكوين الذي يلي الترسيم فيلاحظ مجملا تقاعس المدرسين ونفورهم من التكوين وتقهقر أعداد المربين المقبلين على التكوين عن طواعية.
هل تسبب غياب كلية تربية في تهميش التكوين البيداغوجي وضمور البحث التربوي؟
أم هل تسبب تهميش التكوين البيداغوجي وضمور البحث التربوي في غياب كلية تربية؟ يفترض هذان السؤالان علاقة جدلية بين البحث التربوي ووجود كلية تربية والتي تبدو بديهية للبعض ومستبعدة للبعض الآخر. وفي كل الأحوال، تنقصنا المعطيات الأولية والتحاليل العلمية لتبيان وجود هذه العلاقة الجدلية من عدمها خلال السنوات الخمسين المنقضية من عمر الجامعة التونسية. إن السؤال الأول يطرح إشكالية وضرورة مأسسة البحث التربوي ويبدو السؤال الثاني وكأنه يتساءل عن أسباب إنشاء مؤسسة تعليم عال بحجم كلية تربية في حين أننا لا نشعر بحاجتنا إلى بحث التربوي.
لا بد أن نؤكد كل التأكيد على حاجاتنا الحيوية إلى البحث التربوي بكل أشكاله سواء الأكاديمي منه أو التطبيقي أو بحوث الخبرة. ويكفي أن البحث التربوي الجاد والملتزم والموضوعي سينير لنا الواقع التربوي بكل أبعاده كما يوجد في رياض الأطفال والمدارس الابتدائية والمعاهد الثانوية ومعاهد التكوين ومؤسسات التعليم العالي ومخابر البحث، لا كما نتصوره أو كما نفترض أو نأمل أن يكون سواء كنا في موضع صناع القرار أو كنا من العاملين أو من المنتفعين من التربية والتعليم العالي. لا يمكن أن نغير من وضع نجهله أو لا نفقه منه إلا اليسير مهما كانت النوايا الأولية للتغيير حسنة ومهما كانت ضرورة التغيير ملحة أو بديهية ومهما كانت حداثة أو جدوى الطرق أو الأساليب الجديدة المقترحة. إذا ما سلّم أيّ منا بإمكانية خضوعه لعلاج ما أو لعملية جراحية ما من دون أن يخضع للتحاليل الطبية والمخبرية الضرورية لذلك فسيسلم أيضا بإمكانية تغيير الواقع التربوي والتحسين من جودة مخرجاته والرفع من مستوى مردوديته من غير إخضاعه للبحث التربوي الموضوعي. ولسائل أن يتساءل: هل تنعدم عندنا البحوث التربوية؟ طبعا لا، ما ينقصنا هو أولا الإكثار من هذه البحوث. وثانيا وبالأخص مأسستها، ونعني ببساطة وجود إلى مؤسسة تحتضن وتخصب هذه البحوث. كثيرا ما نتصور أن مأسسة البحث ضرورية بالنسبة إلى العلوم الصحيحة والتطبيقية وغير ضرورية بالنسبة إلى العلوم الأخرى، إذ يبدو بديهيا أن الباحث في هذه العلوم لا يستطيع أن يقوم بأبحاثه إلا وبين يديه مبضع وأمامه أحدث الميكروسكوبات حتى يستطيع تبيان صحة فرضياته وجمع المعطيات وإخضاعها لكل التحاليل الممكنة مستندا على أحدث التجهيزات وأدق التقنيات. تتجاوز مأسسة البحث التربوي البعد الجغرافي والضيق للمختبر التقليدي لتشمل توفير الظروف الملائمة لطرح التساؤل الصحيح وتحويله لفرضيات مجدية وممكنة وانتقاء المنهجية الملائمة لجمع المعطيات وتحديد الاختبارات المناسبة لسبرها والطرق المثالية لتحليلها. وقد لا توجد كل هذه الظروف مجتمعة في مختبر تربوي واحد ولكنها ولا بد أن تكون حصيلة تلاقح الخبرات والكفاءات في شتى الاختصاصات التربوية التي تربت على مر الأيام بين أحضان المؤسسة الواحدة والتي عادة ما تكون كلية للتربية. يتمثل المشكل الأساسي في أنك لا تستطيع أن “تشتري” باحثين تربويين ولا أن تستأجرهم ولا أن تستوردهم، إذ يشترط في الباحثين التربويين ذوي الكفاءة العالية معرفتهم بالواقع التربوي وخاصة قدرتهم على التفاعل معه متسائلين تارة، مشككين أخرى، محققين، سابرين لأغواره. ويشترط في هؤلاء بكل بساطة أن يربوا في كلية تربية.
يتطلب البحث التربوي مثله مثل أي بحث علمي توفير تقاليده وأعرافه، وعدد كبير من التربويين المدربين في مكان واحد ليبدأ تفاعل متسلسل، وتصبح مجموعة التربويين ذاتية التفاعل يحافظ عليها مؤسساتياً وإلا فإنها تذوي وتتلاشى. إذن، يتطلب النهوض بالبحث التربوي توفر المهارات الفنية والبنى التحتية ووجود إطار تشريعي مناسب ونظام مؤسساتي فاعل وإدارة علمية واعية وخبيرة وقرار سياسي داعم ومجتمع يؤمن بالبحث التربوي. فهل نبدأ بالإقرار بأن البحث التربوي هام ومفيد، وأن إنشاء كلية تربية هي الخيار الأمثل لاحتضانه؟
روضة بن عثمان
جامعة تونس